نشكر مرورك العطر علينا .. قـد تـم نقل الموقع ل :
إنسانية نملة

السبت، 23 مارس 2019

رسالة توديع من شهر الصوم


بسم الله الرحمن الرحيم
يا صائميّ الأعزّاء:
تقبّل الله منكم الصيام والقيام وصالح الأعمال.
الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافيء  مزيده، والصَلاة والسَلام على من أرسل رحمة وهداية للعالمين سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِين .
أحمد ربي وأشكره أن بلّغكم شهري الكريم وله النعماء بأن وفّقكم لأدائه، فنرجو منك يا إلهنا ومولانا وخالقنا أن تعفو وتغفر وترحم من صام وقام وتتجاوز عمّا صدر من الخطأ والنسيان وأن تتقبّل القربات والصَدقات إنّك أنت الحليم الكريم المنّان،وتقابلها بالرحمات والغفران والرضوان والعتق من النِيران، وبأن تبدلها لهم بالجنان .
فرض الله تعالى صيام رمضان في شعبان من السَنة الثَانية من هجرة النِبي صلَى الله عليه وسلم.
صام النَبي صلَى الله عليه وسلم وصام مجتمع المدينة  المتآخي في الله، وكلّ فرد فيه يحرص على التأسّي برسول الله - صلّى الله عليه وسلّم- في صيامه وإفطاره، وقيامه وسحوره، وكرمه وعبادته ،فكنت مدرسة للطاعة والنِظام، وممارسة عملية للصبر على الظمأ والمخمصة، وعبادة تربط بين قلوب المؤمنين وتصلهم بالله – تعالى-.
وفي صبيحة ليلة السابع عشر مني، قطف المسلمون ثمار صومهم وصبرهم، فنصرهم الله –تعالى- في بدر نصراً مؤزراً ، وصدق الله العظيم إذ قال:(إن تنصروا الله ينصركم ويثبِت أقدامكم)[1]. فأصبحت عندهم : شهر القرآن وشهر النَصر ، وشهر ليلة القدر.
ومضت أيامي المباركة ميمونة ومزهرة ،وتراءى المسلمون هلال شوّال، وأخبروا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- برؤيته، فأفطر وأمرهم بالإفطار، وتعالت أصواتهم بالتكبير والتهليل، وخرج الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- لصلاة العيد، والفرحة تملأ النُفوس، وترتسم على الثُغور، وبعد صلاة العيد، قام رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم- فأمر    بتقوى الله، وحثّ على طاعته، وذكّرهم ، ثمّ مضى حتّى  أتى النِساء  فوعظهنّ وذكّرهنّ وأمرهنّ أن يتصدّقن.
وتكرّر هذا المشهد الكريم تسع مرّات، فقد روي أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم- صام مع أصحابه تسع رمضانات[2]، وكانت مليئة بالجهاد في سبيل الله، أو الاستعداد للجهاد، أو الرجوع من الجهاد . والمسلم الذي يتصوّر بفكره وخياله تلك الأيّام السعيدة من عمر البشريّة ، تهتزّ مشاعره ، وتهفو نفسه شوقاً وحنيناً إلى  ذلك الجيل الذي أخلص في الطاعة لقائده رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم ،فكان مفخرة الدهر ، وقدوة الأجيال ، وخير القرون.
وها أنتم في شهري المبارك ، وقد أذنت أيّامي بالرحيل ، ولاح هلالي بتسليمات الوداع ، ولسان حالي يقول لكم :
هل اغتنمتم خيراتي في أيّامي ولياليّ لتفوزوا بغفران الله – تعالى- وعفوه ، ولتكونوا من العتقاء من النَار ، ببركة العمل الصَالح  فيما تبقّى من أيّامي؟
هل أخلصتم نيّاتكم فصمتم وتصدّقتم  وقمتم خير قيام؟
هل صمتم أيّامي  صياماً مطهّراً من اللغو والرفث؟
هل قمتم لياليّ بصلوات وتلاوة للقرآن وذكر لله - عزّ وجلّ؟
هل أعنتم المساكين والفقراء والمحتاجين، وكنتم من السابقين للخيرات ولفعل الطاعات والقربات؟
أيّها الصَائمون، إن كنتم قد التزمتم بكلّ هذا ، فإنّي أرجو من الله – تعالى-  أن يتقبّل منكم ويبشّركم برحمة منه ومغفرة وعتق من النِيران وبجنّات لكم فيها نعيم مقيم . وإنّي لأرجو من الله –تعالى- أن يتقبّل منكم الصِيام وصالح الأعمال وأن أكون  من بين أعمالكم الصالحة التي قدّمتموها في دنياكم  فأبشّركم وآنسكم  في وحدتكم في قبوركم فأقول يا ربّي منعوا أنفسهم الطعام والشَراب والملذّات فصاموا نهارهم وقاموا ليلهم فشفّعني فيهم .
حفظكم الله لي أيّها الصَائمون  الصَادقون القائمون المتصّدقون تنالون جوائزكم فتفرحون في دنياكم بفطركم وفي أخراكم بلقاء ربكم .  
وماذا بعد شهري؟
لقد ودعتم أيّامي بأجوائي الروحيّة ذات الألوان الجميلة المختلفة، وذات الصور المضيئة المشرقة، وأيّام العيد تمضي بمباهجها ومظاهر اللهو واللعب فيها. وتقبل أيّام مرحلة جديدة من مراحل أعماركم، فماذا يجب عليكم بعدي؟
بعد دخول مدرستي النفسيّة القلبيّة، واجتياز الدورة التدريبيّة التربويّة ذات المستوى الراقي ينبغي لكم يا أيها المسلمون أن تستمروا على الحالة الحسنة الفاضلة التي كنتم عليها واكتسبتموها في شهري المبارك، فالدورات التدريبيّة التي من هذا القبيل إنّما يقصد منها إعداد النفس والجسد للعمل الصالح والمستمر، إذ هي وسيلة إصلاح وتهذيب بهدف دوامهما.
وعليكم إجراء جرد سنويّ لأعمالكم كما التجّار يجرون جردا سنويّا لمعرفة أرباحهم وخسائرهم، وإعداد ما يلزم لتلافي الأخطاء في العام القادم، فهل أنفسكم أهون عليكم من أموالكم حتّى لا تقوموا بمثل هذا الجرد فتسعدوا في الدارين؟
وعليّ أن أذكّركم بأنّ أبواب الخير مفتوحة، فنفحاتي تمتد من أيّامي لتشمل سائر أيّام السنّة.
كما أذكّركم بصوم التطوّع، وما أكثرها، فمنها صيام ستّة أيام من أخي شوّال لما في صومها من خير عظيم يرجع على الصائم، فإن صمتم أيّامي وأتبعتموها بستة من شوال صياما مطهّرا من الشوائب ومن اللغو والرفث في الأقوال والأفعال فكأنكم صمتم الدهر كلّه.
ومن صيام المسنون أيضا صيام يوم عرفة ففيه تكفير لذنوب سنتين.
وهناك أيضا صيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر وصيام يومي الاثنين والخميس...
وأخيرا: أمضيت معكم أياماً وليالي كانت مليئة بالطاعات وها أنا أودعكم على أمل العودة إليكم في السنة القادمة وأنتم في أحسن حال.
            
     التوقيع:
شهر الطاعات  والعبادات شهر العفو والغفران والقبول والرضوان والعتق من النيران



 سورة محمد آية7.[1]
 زاد المعاد في هدي خير العباد.[2]

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بحث هذه المدونة الإلكترونية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

أرشيف المدونة الإلكترونية

التسميات

الإبلاغ عن إساءة الاستخدام

المشاركات الشائعة

من أنا

صورتي
We seek a world full of hope نسعي لعالم يملؤة الأمل